مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط

في رؤية الرئيس السيسي

الأكاديمية العسكرية المصرية من مصنع الرجال إلى مدرسة صناعة قادة الدولة

 

أحمل يقيناً راسخاً في المؤسسة العسكرية المصرية، وفي الأكاديمية العسكرية على وجه الخصوص، ذلك اليقين الذي لم يتشكل من شعارات، بل من معايشة حقيقية وتجربة ميدانية رسخت في الوعي معنى مقولة إن الكلية الحربية هي مصنع الرجال. وخلال عملي محرراً عسكرياً، لم أتعرف فقط على أساليب التدريب والانضباط، بل أدركت جوهر الفلسفة التي تحكم هذه المؤسسة العريقة؛ فلسفة تبني الدولة من خلال الإنسان، وتؤمن بأن الوعي يسبق السلاح، وأن إعداد العقل والضمير هو الخطوة الأولى قبل أن تُعلق الرتبة على الكتف.توقفت أمام جملة قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي حين أكد أن المناهج الدراسية التي تُدرس بالأكاديمية العسكرية تضمن جدارة التعليم، وهي جملة تبدو للوهلة الأولى تقريرية، لكنها في الحقيقة تفتح باباً واسعاً لفهم فلسفة الدولة في بناء القوات المسلحة، ولماذا يحرص الرئيس على لقاء طلاب الأكاديمية بشكل متكرر ومباشر.

ولم يعد طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية اليوم مقصورين على أولئك الذين التحقوا بالكلية الحربية أو بالكليات العسكرية المختلفة ليصبحوا ضباطاً في صفوف القوات المسلحة، بل اتسعت دائرة الدور الوطني للأكاديمية لتشمل شريحة أوسع من أبناء الوطن من خريجي الجامعات المصرية، بما فيها جامعة الأزهر الشريف. فقد أصبحت الأكاديمية منصة لتأهيل كوادر الجهاز الإداري للدولة من المدنيين، عبر دورات تدريبية متخصصة تهدف إلى بناء الشخصية قبل الوظيفة، وترسيخ قيم الانضباط والالتزام وتحمل المسؤولية. هؤلاء المتدربون لا ينضمون للسلك العسكري الدائم، ولا يُمنحون رتباً عسكرية، لكنهم يتلقون قدراً من التأهيل العسكري والفكري الذي يرفع وعيهم بقضايا الأمن القومي، ويمنحهم القدرة على العمل تحت الضغط، ويؤسس لعقلية منظمة قادرة على إدارة مؤسسات الدولة بكفاءة. وفي هذا الإطار، يخضع معلمون جدد، ومهندسون، وفنيون، وقيادات شابة من مختلف الوزارات والهيئات لبرامج تدريب داخل الأكاديمية، في تجربة تعكس فلسفة الدولة في نقل روح الانضباط العسكري إلى مؤسساتها المدنية، وبناء جهاز إداري حديث يمتلك الوعي والقدرة على مواجهة تحديات المرحلة.

وفي هذا الإطار، يتجاوز دور الأكاديمية العسكرية المصرية حدود الإعداد العسكري التقليدي ليصبح أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة. فالدولة لا تُبنى بالمشروعات والبنية التحتية فقط، بل تُبنى أولاً بالإنسان القادر على إدارة هذه المشروعات وحمايتها وصيانتها. ومن خلال تأهيل الضباط والكوادر المدنية داخل منظومة واحدة قائمة على الانضباط والوعي واحترام الوقت والعمل الجماعي، تسهم الأكاديمية في تشكيل جيل جديد من القيادات يمتلك عقلية الدولة، ويدرك أن المسؤولية العامة تكليف لا تشريف. هذا الدور يجعل من الأكاديمية شريكاً أصيلاً في مشروع الجمهورية الجديدة، حيث تنتقل قيم المؤسسة العسكرية من ساحات التدريب إلى مؤسسات الدولة المدنية، بما يضمن ترسيخ الاستقرار، ورفع كفاءة الأداء، وبناء جهاز إداري واعٍ قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بثبات وانضباط ورؤية وطنية شاملة.

 

لا يمكن قراءة مشهد زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي المتكررة للأكاديمية العسكرية المصرية، ولا سيما لقاءاته الفجرية المبكرة مع طلبتها، على أنها مجرد إجراء بروتوكولي أو تقليد رئاسي معتاد، فاختيار التوقيت ذاته يحمل رسالة بالغة الدلالة قبل مضمون اللقاء. إنها رسالة سياسية وفكرية تعكس جوهر مشروع بناء الجمهورية الجديدة، حيث يرتبط العمل والانضباط وبداية اليوم بمفهوم الجدية وتحمل المسؤولية. فالأكاديمية العسكرية اليوم لم تعد مجرد مدرسة لتعليم فنون القتال أو لإعداد ضابط منفذ للأوامر، بل تحولت إلى مركز وطني متكامل لصناعة كوادر قادرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار في عالم شديد التعقيد، كوادر تدرك أن بناء الدولة يبدأ مع أول ضوء للفجر، حين يسبق الاستعداد الفعل، وتسبق الإرادة الفعل.

الأكاديمية العسكرية المصرية، بصورتها الجديدة، تمثل أحد أعمدة الأمن القومي الشامل، حيث جرى تطويرها لتكون كياناً جامعاً يضم الكليات العسكرية المختلفة في إطار منظومة تعليمية موحدة، تضمن جودة التدريب وتكامل الرؤية. هذا التطوير لم يكن شكلياً، بل مسَّ جوهر المناهج التي باتت تجمع بين العلوم العسكرية الصلبة والعلوم الحديثة المرتبطة بالإدارة والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، وهو ما يفسر حديث الرئيس الدائم عن أهمية الوعي باعتباره السلاح الأول في مواجهة التحديات.

 

في لقاءات الرئيس مع الطلاب، تتجلى بوضوح فلسفة التعليم داخل الأكاديمية. فالرئيس لا يخاطبهم كطلاب فقط، بل كقادة مستقبل يحملون على عاتقهم مسؤولية حماية الدولة وصون مقدراتها. يحرص على المكاشفة، وعلى شرح طبيعة التحديات الإقليمية والدولية، وعلى ربط ما يتلقونه من علوم داخل قاعات الدراسة بواقع الدولة ومصالحها الاستراتيجية. هنا يصبح التعليم أداة للفهم، لا للحفظ، وللتفكير، لا للتلقين.

 

وتكمن أهمية هذه اللقاءات في أنها تكشف عن الثقة المتبادلة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وتؤسس لعلاقة قائمة على الشفافية والصدق. فالرئيس يقدم صورة واقعية للأوضاع الاقتصادية والسياسية، ويؤكد أن الضابط الواعي هو من يدرك حجم الضغوط التي تتعرض لها بلاده، ويفهم أن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على ميادين القتال، بل يمتد إلى مواجهة الشائعات وحروب الوعي ومحاولات التشكيك.

 

اللافت أيضاً أن الأكاديمية العسكرية لم تعد قاصرة على خريجي الثانوية العامة الراغبين في الالتحاق بالكليات العسكرية، بل أصبحت منصة لتأهيل الخريجين المدنيين والمتخصصين من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم. هذه الخطوة تعكس رؤية الدولة في توظيف كل طاقاتها البشرية داخل منظومة الأمن القومي، ونقل قيم الانضباط العسكري والالتزام إلى مختلف التخصصات التي تخدم القوات المسلحة.

 

حين يلتقي الرئيس بهؤلاء الخريجين داخل الأكاديمية، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن معيار الانتماء والكفاءة واحد، وأن خدمة الوطن شرف لا يرتبط بمسار تعليمي بعينه، بل بالقدرة على العطاء والعمل تحت الضغط والالتزام بقواعد الدولة. وهنا تتجسد عملياً مقولة إن الأكاديمية ليست مجرد مؤسسة عسكرية، بل مدرسة وطنية لصناعة الشخصية المصرية القادرة على القيادة.

 

ولا يمكن إغفال الدور المحوري للحوار المباشر الذي يحرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على إجرائه مع أبناء الأكاديمية العسكرية خلال هذه اللقاءات، حيث لا يكتفي بالحضور أو التفقد، بل يفتح مساحة صريحة للنقاش وتبادل الرؤى وطرح الأسئلة. هذا الحوار، الذي يتم في أجواء إنسانية وبعيدة عن الرسمية الجامدة، يرسخ علاقة قائمة على الثقة والمكاشفة، ويجعل الطالب شريكاً في الفهم لا مجرد متلقٍ للتعليمات. كما أن مشاركة الرئيس للطلاب أنشطتهم الرياضية وتواجده بينهم في الساعات الأولى من الصباح يحمل دلالات تتجاوز الصورة إلى المضمون، ليؤكد عملياً مفهوم القيادة بالقدوة، ويعيد ترسيخ قيم الانضباط واحترام الوقت والعمل الجاد، باعتبارها أسساً لا غنى عنها لأي مسؤول، عسكرياً كان أو مدنياً، في معركة بناء الدولة وحماية مستقبلها.

إن الربط بين تطوير المناهج داخل الأكاديمية العسكرية وحرص الرئيس على التواصل المباشر مع طلابها، يوضح أن الدولة تراهن على الإنسان باعتباره خط الدفاع الأول. فالتحديات الحديثة لا تُواجه بالسلاح وحده، بل بالعقل القادر على الفهم والتحليل، وبالضابط الذي يمتلك وعياً سياسياً واقتصادياً إلى جانب كفاءته العسكرية.

 

اخيرا

، يمكن القول إن الأكاديمية العسكرية المصرية، في ظل هذا الدعم والمتابعة الرئاسية، لم تعد ثكنة مغلقة أو مؤسسة معزولة عن المجتمع، بل أصبحت منارة وعي ومصنعاً حقيقياً للرجال كما عُرفت عبر تاريخها. فداخل جدرانها لا يُصاغ فقط ضباط يحملون شرف السلاح، بل يُعاد تشكيل وعي طلاب مدنيين يعودون بعد تأهيلهم إلى الحياة العامة والجهاز الإداري للدولة، حاملين معهم روح الانضباط العسكري وقيم الالتزام والمسؤولية. هنا تتجسد حقيقة راسخة مفادها أن جيش مصر هو شعبها، وأن المؤسسة العسكرية ليست كياناً منفصلاً عن المجتمع، بل نسيجاً أصيلاً منه وامتداداً لإرادته الوطنية. هي المكان الذي تلتقي فيه قوة السلاح مع قوة الوعي، ليبقى الجيش المصري، بعقيدته الوطنية وارتباطه بالشعب، درع الوطن وسنده في الحاضر والمستقبل.

مصطفي البلك

[email protected]